لعل في هذه المجموعة ما يوحي بمحاولة ملحوظة لحمل اللغة على الاقتراب من المعنى. والعكس قد يكون صحيحاً بالمثل بشكل أو بآخر. على هذا الأساس المرجح، تبدو الشاعرة المصرية صفاء فتحي مشرعة أبوابها على التقاط ما تيسّر لها من اشارات تدل على الصورة المتوخاة من داخل العبارة وألفاظها وكلماتها، نصوص جديدة لها بعنوان "اسم يسعى في زجاجة" صدرت حديثاً عن "دار النهضة العربية" في بيروت، توظفها جميعاً، على الأغلب في المنحى المذكور بغية ان تستدرج المعنى الى اللغة، بدل ان تذهب بهذه الأخيرة اليه. ستة نصوص مسهبة في الحجم لا تخلو من تعقيدات هذه المغامرة الصعبة التي تكاد تشق الانفاس أحياناً نظراً الى البحث العميق وراء جدران المفردات عن التماعة او اشراقة قد لا تكون بالضرورة هناك. ومع ذلك، فهي تمضي في هذا الاتجاه مراهنة بكل رصيدها، على الأغلب، على نمط من التكون اللغوي قد لا يحتمل دائماً هذا القدر من الرهان. كان بمقدورها لو أرادت، ان تضرب هذه النصوص بقوة لتحيلها، في نهاية المطاف، شظايا او نتفاً مهشمة اكثر خفة وأثقل تعبيراً وابلغ دلالة. ولو فعلت ذلك، لما انتقصت من هذه النصوص شيئاً ابداًَ. على النقيص من ذلك، لكانت اوجدت في نسيجها الداخلي فسحة شفافة تتنفس اللغة من خلاله هواء أنقى. ولكانت أيضاً جنبت صورها الايحائية، خائفة من احتمال ان تتعثر على الطريق.
ولكنها، من ناحية أخرى، تختار السبيل الأكثر انسجاماً مع مزاجها الشعري. وقد تبدو محقة في ذلك لأسباب من بينها: أنها تختبر قدرتها على مواجهة اللغة في عقر دارها. ثم انها تنأى بنفسها عن النصوص الصغيرة خشية ان تنقطع الصورة ولكي تتدفق من حالة الى اخرى. والأهم على الارجح ان النص الصغير لا يروي جرأتها على الذهاب بعيداً في هذه التجربة حتى لا تخرج من المتاهة ولا يعود بمقدورها ان تتسلل اليها من جديد. وقد لا يخفى كذلك ان النص الصغير يفترض، بطبيعته، ضرباً من الذاكرة الشعرية والصورة التي تعتمد الايحاء اكثر من الاحتكاك المباشر والحي مع معوقات اللغة. ولربما لا يخطر في بالها اي من هذه التطورات باعتبار ان غريزة الكتابة لديها تنفر من هذه الافتراضات جميعاً. ولكنها، من ناحية اخرى، تبدو متشبثة بميولها الذاتية في ابتكار صورها الشعرية على نحو يحيل اي تصور من هذا القبيل أمراً مفروضاً على نصها من خارجه. ثم ان النص الطويل أو المسهب في الحجم من شأنه ان يبقي جذوة الرؤية مشتعلة حتى ولو بدت انها تراوح في مكانها أحياناً، أو تتطور صعوداً من تلقاء نفسها احياناً أخرى. والأغلب ان هذه الأخيرة هي السائدة في النصوص ولو شابها ما يوحي، في لحظات قليلة، انها تستريح قليلاً او تهدأ قليلاً ريثا تعاود انطلاقتها ثانية.